السيد كمال الحيدري

237

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

الخاصّ به ، فالكبير بقدره والصغير بقدره ، فاحتمل السيل الواقع في كلّ واحد من الأودية المختلفة زبداً طافياً عالياً ، وهو الظاهر على الحسّ يستر الماء ستراً . ثمّ قال سبحانه : وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَة أوْ مَتاع زَبَدٌ مِثْلُهُ « من » نشوية ، « وما يوقدون عليه » أنواع الفلزّات والموادّ الأرضية القابلة للإذابة المصوغة منها آلات الزينة وأمتعة الحياة التي يتمتّع بها ، والمعنى : ويخرج من الفلزّات والموادّ الأرضية التي يوقدون عليها في النار طلباً للزينة كالذهب والفضّة أو طلباً لمتاع كالحديد وغيره ، يتّخذ منه الآلات والأدوات ، زبد مثل الزبد الذي يربو السيل ، يطفو على المادّة المذابة ويعلوه . ثمّ قال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ أي يثبّتهما ، نظير ما فعل في السيل وزبده وما يوقدون عليه في النار وزبده . فالمراد بالضرب - والله أعلم - نوعٌ من التثبيت من قبيل قولنا : ضربت الخيمة أي نصبتها ، وقوله : ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة أي أُوقعت وأُثبتت ، وضُرب بينهم سور ، أي أُوجد وبُني ، واضرب لهم طريقاً في البحر ، أي افتح وثبّت . وإلى هذا المعنى أيضاً يعود ضرب المثل لأنّه تثبيت ونصب لما يماثل الممثّل حتّى يتبيّن به حاله . فالجميع في الحقيقة من قبيل إطلاق الملزوم وإرادة اللّازم ، فإنّ الضرب - وهو إيقاع شيء على شيء بقوّة وعنف - لا ينفكّ عادةً عن تثبيت أمر في ما وقع عليه الضرب ، كثبوت الوتد في الأرض بضرب المطرقة ، وحلول الألم في جسم الحيوان بضربه ، فقد أطلق الضرب وهو الملزوم وأُريد التثبيت وهو الأمر اللازم .